اليعقوبي

12

تاريخ اليعقوبي

كأنهم جمال جون ، فقال : بهؤلاء تمنع مكة . وحج أكثم بن صيفي في ناس من بني تميم فرآهم يخترقون البطحاء كأنهم أبرجة الفضة يلحقون الأرض جيرانهم . فقال : يا بني تميم إذا أحب الله أن ينشئ دولة نبت لها مثل هؤلاء . هؤلاء غرس الله لا غرس الرجال . وكان يفرش لعبد المطلب بفناء الكعبة ، فلا يقرب فراشه حتى يأتي رسول الله ، وهو غلام ، فيتخطى رقاب عمومته ، فيقول لهم عبد المطلب : دعوا ابني ، إن لابني هذا لشأنا . وكان عبد المطلب قد وفد على سيف بن ذي يزن مع جلة قومه لما غلب على اليمن ، فقدمه سيف عليهم جميعا وآثره . ثم خلا به فبشره برسول الله ووصف له صفته ، فكبر عبد المطلب وعرف صدق ما قال سيف ، ثم خر ساجدا . فقال له سيف : هل أحسست لما قلت نبأ ؟ فقال له : نعم ! ولد لابني غلام على مثال ما وصفت ، أيها الملك . قال : فاحذر عليه اليهود وقومك ، وقومك أشد من اليهود ، والله متمم أمره ومعل دعوته . وكان أصحاب الكتاب لا يزالون يقولون لعبد المطلب في رسول الله منذ ولد فيعظم بذلك ابتهاج عبد المطلب . فقال : أما والله لئن نفستني قريش الماء ، يعني ماء سقاه الله من زمزم وذي الهرم ، لتنفسني غدا الشرف العظيم والبناء الكريم والعز الباقي والسناء العالي إلى آخر الدهر ويوم الحشر . وتوالت على قريش سنون مجدبة حتى ذهب الزرع وقحل الضرع ، ففزعوا وقالوا : قد سقانا الله بك مرة بعد أخرى فادع الله أن يسقينا ، وسمعوا صوتا ينادي من بعض جبال مكة : معشر قريش إن النبي الأمي منكم ، وهذا أوان توكفه ، ألا فانظروا منكم رجلا عظاما جساما له سن يدعو إليه وشرف يعظم عليه فليخرج هو وولده ليمسوا من الماء ويلتمسوا من الطيب ويستلموا الركن ، وليدع الرجل وليؤمن القوم فخصبتم ما شئتم إذا وغثتم ، فلم يبق أحد بمكة إلا قال : هذا شيبة الحمد ، هذا شيبة الحمد . فخرج عبد المطلب ومعه رسول الله ، وهو يومئذ مشدود الإزار ، فقال عبد